محمد عبد الله دراز
266
دستور الأخلاق في القرآن
الظَّالِمُونَ « 1 » ، فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ « 2 » . وليس هذا هو كلّ شيء ، فليست الأعمال الواعية الّتي نثيرها في المجتمع بسلوكنا فحسب ، ولكن نتائجها الطّبيعية البعيدة سوف تدخل فيها ، وتضخم معناها . إنّ السّعادة ، أو الشّقاء اللذين يمكن أن يصيبا الإنسانية من عمل يتم عن غير قصد ، بل وقد لا يراه صاحبه مفصلا ، ولا يقدر قدره - سوف يضمآن إلى الرّصيد الإيجابي ، أو السّلبي لصاحبهما ، حتّى لو لم يحدثا إلّا بعد موته ، والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث ، صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » « 3 » . وهنا نصل إلى الحالة الثّانية ، الّتي تظل عصية على كلّ هذه التّفسيرات ، ذلك أننا قد نفهم - إذا لزم الأمر - أنّ أولادنا ، لما كانوا أعمالنا ، فإنّ نشاطهم يستمر ويكمل نشاطنا ، ومن ثمّ كانوا مضافين إلى حسابنا ، ولكن كيف نسوغ القضية العكسية ؟ لسوف يكون خطأ زمنيا أن ننسب هنا علاقة سببية تشركهم في أعمال تمت قبل ميلادهم ، وهي تشرع مساواتهم مع أسلافهم أمام العدالة العلوية . ومع ذلك فلسنا ندري كيف نوفق بين النّص الّذي يبدو أنّه يعلن هذه المساواة ، وهو قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ
--> ( 1 ) الأنعام : 47 . ( 2 ) الأعراف : 165 . ( 3 ) انظر ، صحيح مسلم : 3 / 1255 ح 1631 ، شرح النّووي على صحيح مسلم : 1 / 90 ، المحلى : 7 / 3 ، الانتصار للشريف المرتضى : 198 ، المعتبر للمحقق الحلي : 1 / 341 ، سنن التّرمذي : 3 / 660 ح 1376 ، سنن البيهقي الكبرى : 6 / 278 ح 12415 ، سنن أبي داود : 3 / 117 ح 2880 ، مسند أحمد : 2 / 372 ح 8831 .